روسيا والشرق الأوسط..العودة من جديد

فبراير 2014

محتوى الورقة

 تمهيد
 الاستراتيجية الروسية في المنطقة العربية  
 مسار العلاقات العربية الروسية
 الموقف الروسى من الثورات العربية : حالة تونس و مصر و ليبيا
 روسيا و الأزمة السورية
 محدادت السياسة الخارجية الروسية
 الفرص المتاحة امام روسيا
 معوقات تواجه العودة الروسية
 مستقبل العلاقات الروسية العربية في ظل التحولات الدولية الراهنة

تمهيد

تشهد منطقة الشرق الأوسط منذ اندلاع ثورات الربيع العربى متغيرات عديدة ليس على صعيد الدول نفسها بل أيضاً على صعيد اللاعبين الرئيسين بالمنطقة، فالثورات التى فاجات الجميع أسفرت عن العديد من المتغيرات، وزادت حدة هذه المتغيرات عقب الانقلاب العسكرى بمصر.
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة مفصلية في تاريخها، وتشهد تغييرات سياسية متسارعة، وتحالفات جديدة قد تعيد تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة، وإعادة هيكلة التحالفات، واستبدال الحلفاء القدماء بآخرين جدد، وفقًا لاعتبارات ترسمها القوى العظمى، وإن كانت غير واضحة المعالم حتى الآن.
يأتي على رأس هذه التغيرات التقارب الإيراني الأمريكي، وتغير نغمة معظم الدول الأوروبية تجاه إيران بعد وصول الرئيس حسن روحاني إلى منصب الرئاسة، ونشهد في الوقت الراهن تقاربًا معلنًا وغير مسبوق بين إيران والولايات المتحدة، وهو مايفسر أن الإدارة الأمريكية بصدد إعادة تقييم سياستها بمنطقة الشرق الأوسط وأن المنطقة لم تعد مجال الاهتمام الأكبر للإدارة الأمريكية فى مقابل زيادة الاهتمام بالشرق الأقصى.
ويبدو أن هذه التغيرات تصب بصورة أو أخرى لصالح روسيا التى تحاول أن تعود إلى المنطقة من جديد، فقد استفادت روسيا كثيرًا من العداء المعلن بين إيران والمجتمع الدولي والولايات المتحدة تحديدًا، وكانت تلعب بالورقة الإيرانية كثيرًا في موضوع التوازنات السياسية الدولية والإقليمية، وبالتالي فموسكو لن ترغب في خسارة مثل هذه الورقة، ولن تفرط فيها بكل سهولة. السؤال هنا، ما هي البدائل التي تملكها روسيا إن نجحت أمريكا في ضم إيران إلى جانبها؟ يعلم الجميع أن علاقة الولايات المتحدة الأمريكية مع دول الخليج العربي خاصة المملكة العربية السعودية ليست في أفضل حالاتها في الوقت الراهن، وبرز تباين واضح في وجهات النظر بين واشنطن والرياض حول ما يجري في سوريا ومصر، وعملية السلام في الشرق الأوسط والتقارب الإيراني الأمريكي. ظهرت حالة عدم الرضا السعودية تجاه سياسات واشنطن في اعتذار المملكة عن قبول المقعد المؤقت في مجلس الأمن، وقبل ذلك إلغاء السعودية كلمتها في اللقاء الأخير للجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك. هذا الفتور في العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة، والتقارب بين الأخيرة وإيران من جانب، وحالة عدم الرضا الروسية بسبب هذا التقارب، قد يقود إلى تحالف سعودي- روسي في حالة نجحت الرياض في إقناع موسكو بتغيير موقفها من الأحداث الجارية في سوريا، وتخليها عن دعم بشار الأسد. التحدي الأكبر الذي يقف في وجه هذا التحالف يكمن في دور المملكة العربية السعودية والدول العربية في إسقاط الاتحاد السوفيتي خلال الحرب على أفغانستان، وهي عقبة حقيقية إلى جانب خشية روسيا من أي نفوذ سعودي في الجمهوريات الإسلامية التي تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وخشية موسكو من دعم الرياض للجماعات الإسلامية هناك والتي تشكل -من وجهة النظر الروسية- خطرًا حقيقيًّا على الأمن القومي الروسي، إلا أن ذلك قد يكون عامل في التقارب والتفاوض أيضًا.
يبدو ان روسيا التي ترفض بشدة استخدام الولايات المتحدة القوة العسكرية ضد حليفتها سوريا تحاول استعادة تاريخها كقوة عظمى في منطقة الشرق الاوسط بعد أكثر من 22عاما من سقوط الاتحاد السوفياتي، الذي عده الرئيس الروسي فلادمير بوتين أكبر «كارثة جيو - استراتيجية» خلال القرن العشرين.وكشف بوتين أن روسيا غير راضية عن سياسة واشنطن إزاء أهداف موسكو على الصعيد العالمي،وأكّد رفضه للقطبية الدولية الواحدة وللانفراد الأميركي بتقرير مصير العالم.
فبعد سبات ونوم عميق دام ما يقرب من ربع قرن، آفاق الدب الروسي وكشر عن أنيابه وصار يملك زمام الأمور الكامل في واحدة من أبرز الأزمات الدولية الراهنة، الأزمة السورية، فمن يريد الوصول إلى دمشق لغرض يتعلق بالأزمة الراهنة يتعين عليه المرور بموسكو، إذ صارت روسيا رقما صعبا في المعادلة السورية، لا يمكن استبعاده أو تجاهله، وعقبة لا يمكن تخطيها بالقوة أو القفز فوقها، ونجحت مؤخرا عبر المبادرة التي طرحتها لتفكيك ووضع الترسانة الكيماوية السورية تحت الرقابة الدولية من إنقاذ رقبة الأسد من ضربة عسكرية أميركية موجعة، قد تطيح به من السلطة، أو تضعفه في مواجهة المعارضة المسلحة، وعلى الرغم من أن روسيا تقيم علاقاتها الآن على مبدأ المصالح والبرغماتية، وليس على المبادئ والآيديولوجيا، فإن سلوكها نحو دمشق يأتي اتساقا مع تاريخ البلدين، إذ أنقذت موسكو دمشق ومدت لها يد العون وطوق النجاة في أعوام: 1956، 1967، 1973، 1982، و1983. لكن هذه المبادرة خلطت أوراق الإدارة الأميركية، وإن كانت قد حفظت ماء وجهها، خاصة في ظل الصعوبات السياسية والعسكرية التي تكتنف مسألة ضرب سوريا. وفي الواقع تعكس المبادرة الروسية براعة الكرملين في محاولته الدفاع عن مصالح روسيا الجيو – سياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ولكن هذه المبادرة ليست نهاية المطاف بالنسبة إلى الأزمة السورية التي ستتواصل في الفترة المقبلة، حتى يتم التوصل إلى حل سياسي يتضمن تنازلات متبادلة من جميع الأطراف الدولية والإقليمية.

الاستراتيجية الروسية في المنطقة العربية  

كانت البيئة العربية تعتبر غير صديقة بالنسبة للاتحاد السوفيتي نظراً لعدة عوامل منها – قوة الولايات المتحدة ومكانتها في المنطقة واتجاهات النخب الحاكمة المعادية للاتحاد السوفيتي والقريبة من الولايات المتحدة – معادات كلاً من الإسلام المحافظ والأصولي للاتحاد السوفيتي كدولة وكنموذج وغيرها فكانت علاقات الاتحاد السوفيتي تمتاز بعدم إستمراريتها وقلة نفوذها .
وبعد انهيار السوفيت وعودته إلى روسيا الاتحادية كان للعامل الاقتصادي الأهمية القصوى في علاقات روسيا الخارجية وخاصة بالمنطقة وتركزت تلك العلاقة بصورة أساسية بالعراق وإيران وتركزت السياسة الخارجية بصورة أساسية على سياسة الاحتفاظ بعلاقات قوية مع العراق وتدعيم العلاقات مع إيران . كانت علاقات روسيا بكلا من العراق وإيران هما النموذج الواضح لتدخلهما في المنطقة ولمدى ارتباط السياسة الروسية بالمصالح الاقتصادية فكانت المصالح الاقتصادية هي المحرك الأساسي للسياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط فمصالح روسيا في كلا من العراق وإيران جعلها تحتفظ بعلاقات قوية مع العراق لاحتياجاته المستقبلية التسلحية وإعادة ما دمره وتطوير علاقات مع إيران كتحدي واضح للغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص فالعلاقات الروسية العراقية تمثل نموذجيا لسيطرة العلاقات الاقتصادية على السياسية في المنطقة والعلاقات مع إيران تقدم نموذجا آخر لا يقل وضوحا علي سابقه
فإيران تعد سوق للأسلحة الروسية والمعدات والتكنولوجيا كما ترى القيادة الروسية في توثيق الروابط مع طهران رداً على توسيع حلف الأطلنطي إلى جانب رغبة روسيا في استغلال النفوذ الإيراني في آسيا الوسطي لمحاصرة الإرهاب وتطويق الصراعات في هذه المنطقة التي تعتبر المجال الحيوي لروسيا وكذا تطوير إنتاج النفط والغاز الطبيعي في بحر قزوين فضلا عن توتر العلاقات الإيرانية الأمريكية واستغلال روسيا لها والتدهور الحاد في علاقات طهران بالمجموعة الأوروبية التي كانت قد سحبت سفرائها من طهران بعد صدور قرار المحكمة " برلين " عام 1992م المدين فيه القيادة الإيرانية بالضلوع في اغتيال أكراد إيرانيين معارضين قضية ميكونوس مما هيأ الفرصة لروسيا لسد الفراغ الناجم عن انسحاب تلك الدول في الوقت الذي لم تجد فيه طهران بديلا لاستيراد الأسلحة والتكنولوجيا

مسار العلاقات العربية الروسية

منذ الثورة البلشفية وازدياد الدور الروسى وسعيه لبناء استراتيجيات جديدة وتوسيع نطاق تأثيره كانت المنطقة العربية محط اهتمام لروسيا، فالمنطقة العربية ظلت تحت النفوذ العثماني لتنتقل الى الاحتلال الغربي و بقيت المنطقة ضمن الأطماع الروسية في إطار استراتيجية رورسيا للوصول الى المياه الدافئة ملتقى الطرق العالمية ....انتقلت العلاقات الروسية فيما بعد الى مرحلة التحريض و المساندة في إطار قضايا التحرر العربي في عهد المد الثوري حيث أقيمت علاقات تحالف ضد الاستعمار الغربي العدو المشترك للعرب و الروس على السواء استمرت هذه الفترة فترة الاستقطاب الدولي للعالم الثالث في ظل الحرب الباردة و كانت هذه الفترة الذهبية في العلاقات الروسية - العربية لتتأثر بتفكك الاتحاد السوفييتي لاحقا، والتى أدت إلى إنزواء روسيا وانشغالها بداخلها وقضاياها واقتصادها المتدهور، ولكن على مدار العشر سنوات الماضية سعت روسيا إلى عودة دورها الإقليمى ولكن فى ظل الحفاظ على بعض مراكز تأثيرها أو الحد الأدنى من التأثير وفقاً لظروفها الداخلية.

سياسيا:استطاعت روسيا إعادة بناء علاقاتها مع عدد كبير من الدول العربية، تتضمن حلفاءها التقليديين، وفي مقدمتهم سوريا وليبيا والجزائر، والشركاء الجدد، مثل دول الخليج والأردن. وأصبح لروسيا مصالح حقيقية تسعي للحفاظ عليها وتنميتها، حتي مع تغيير النظم الحاكمة في بعض الدول العربية في عقب الثورات.

اقتصاديا: تمثل المنطقة العربية سوقا مهمة ذات قوة استيعابية كبيرة للصادرات الروسية من السلع الاستراتيجية والمعمرة، مثل الالآت والمعدات والأجهزة والشاحنات والحبوب. وفي عام 2006، بلغ التبادل التجاري بين روسيا والدول العربية 5.5 مليار دولار . وتأتي مصر والجزائر والمغرب في مقدمة الشركاء التجاريين لروسيا في المنطقة، وعادة ما يميل الميزان التجاري لصالح روسيا بفارق كبير جدا. كذلك، تسعي روسيا إلي تنشيط صادراتها من الأسلحة للمنطقة، ليس انطلاقا من اعتبارات سياسية أو أيديولوجية، ولكن نظرا لما تمثله عوائدها من مورد مهم للدخل القومي، وذلك ليس فقط لحلفائها التقليديين في المنطقة، لاسيما سوريا والجزائر وليبيا واليمن، ولكن من خلال فتح أسواق جديدة في الأردن ودول الخليج العربي، والتي تعد سوقا تقليدية للولايات المتحدة والدول الغربية. وتتعاظم المصالح الاستراتيجية الروسية في الحالة السورية، بالنظر إلي الأهمية الاستراتيجية لقاعدة طرطوس البحرية السورية التي تستخدمها القوات البحرية الروسية، والتي تعد قاعدة التموين الوحيدة للأسطول الروسي في منطقة البحر المتوسط.و يضاف إلى ذلك عشرات المشروعات المشتركة التي تم الاتفاق والتعاقد بشأنها، وتقدر قيمة عقودها بمليارات الدولارات، وستتأثر حتما إما بالإلغاء أو التأجيل، نتيجة موجة عدم الاستقرار التي تجتاح الدول العربية. وعلي ضوء التداعيات السلبية المتوقعة لهذه الثورات على المصالح الروسية، أكدت موسكو أنها تريد استقرار الأوضاع في بلدان الشرق الأوسط، لأن أية قلاقل في المنطقة تضر إضرارا مباشرا بمصالح روسيا.

الموقف الروسى من الثورات العربية : حالة تونس و مصر و ليبيا

في قراءة للموقف الروسي من القضايا العربية المزمنة والحديثة و من الحراك العربي وما تبعه من ثورات في المنطقة , ثمة صور رمزية غير مفهومة ظهرت في السلوك السياسي الروسي مرده عدم وجود موقف واضح ومحدد تجاه ما يجري بداية، مرورا بسياسات انتظارية ووصولا إلى مواقف اتسمت بطابع المواجهة.

1. روسيا و الحراك الثوري في تونس : الحديث عن الموقف الروسي تجاه الحراك التونسي تميز بعدم سماع موقف روسي ذو شأن , حال دون تبلوره تسارع الوقائع وتداعياتها غير المتوقعة الشيء الذي لم يفسح المجال لموسكو بتكوين موقف محدد مما يجري، رغم ان النظام السابق مثَّل مادة دسمة لكل القوى الإقليمية والدولية الطامحة لإعادة التموضع و فرصة للتدخل والاستثمار ولو على المستوى الشعبي القابل للاستثمار السياسي اللاحق،الأمر الذي افتقدته السياسة الخارجية الروسية

2. روسيا و الحراك الثوري في مصر:الموقف الروسي الأكثر حيرة كان تجاه الحراك المصري، فقد ظلت العلاقة مع نظام حسني مبارك شبه عادية، وظلت اللقاءات بين المسؤولين الروس والنظام تجري بشكل طبيعي حتى في عز الحراك، إلى ان سقط أيضا بشكل فجائي، وكأن روسيا غير معنية و المواقف نفسها كانت مع الحراك البحريني والأردني والجزائري والمغربي.

3. روسيا و الحراك الثوري في ليبيا: مع الحراك الثوري الليبي، حاولت روسيا لكن بأدوات ووسائل لم تمكنها من ترجمة أهدافها وغاياتها الرجوع الى الواجهة و لكن روسيا رضخت لتدخل منظمة شمال الحلف الاطلسي "الناتو" عبر عدم عرقلة صدور القرار 1973 بالامتناع عن التصويت في مجلس الأمن. والذي يقضي بحماية المدنيين الليبيين من بطش قوات القذافي، طبعا كان موقف روسيا موقفا محايدا،من طرفي النزاع، لأنها لم تمتنع من التصويت والتعاون مع الأكثرية الدولية،بشان ليبيا في مارس 2011و الذي أتاح باستخدام القوة ضد نظام معمر القذافي، واكتفت بالمراقبة ومحاولة تقديم المقترحات للتقريب بين نظام القذافي والمجلس الانتقالي دون فعالية ملحوظة و بسقوط النظام ظلت خارج خارطة الاستثمار ذات القاعدة الغربية، بانتظار ما يمكن ان تحصل عليه في عمليات مقايضة أخرى. ...و حرصت في ذات الوقت على إبقاء قنوات اتصال مفتوحة مع الثوار، فى محاولة لتحقيق أكبر قدر ممكن من التوازن، والتأكيد الدائم على نزاهة مواقفها، وحرصها على الاستقرار الداخلى والإقليمي للدول العربية. وذلك بهدف الإبقاء على علاقاتها بالدول محل الثورات بغض النظر عن الطرف الذى سيسطر على السلطة ويكون له الغلبة فى النهاية ...
لكن روسيا اتهمت تصرف التحالف الدولي الذي دخل ليبيا من خلال القرار الدولي بأنها تجاوزت تفويض الأمم المتحدة من تنفيذ مآرب سياسية خاصة لها من اجل أحداث تغيرات جيو –سياسة، رفعت روسيا صوتها بوجه هذه التصرفات الدولية،مرارا من خلال تصريح رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين ، والذي ترجم بتصريح ناري: "بان هذه الحرب التي تشن على ليبيا ما هي إلا حرب صليبية فعلية" معربة عن خشيتها من تدخل بري في ليبيا ،و أن قرار كهذا سوف يدخل ليبيا في دوامة الحرب الأهلية.

روسيا و الأزمة السورية

تعد المصالح الروسية في سوريا ذات طبيعة سياسية إستراتيجية وعسكرية واقتصادية في جوهرها. ورغم أن من المؤكد أن لدى روسيا مصالح تجارية مع سوريا، إلا أن قيمة هذه المصالح تفوق ذلك
المصالح الروسية في سوريا، كما يذهب العديد من المراقبين، هي الاحتفاظ بقاعدتها العسكرية في ميناء طرطوس. حيث تعد قاعدة طرطوس البحرية العسكرية آخر موقع بحري لأسطول روسيا بمنطقة البحر الأبيض المتوسط.
وتُعتبر قاعدة طرطوس مرفقا روسيا إستراتيجيا طويل الأمد. فبموجب اتفاقية بين البلدين عام 1971، يستضيف ميناء طرطوس قاعدة روسية للإمداد والصيانة من الفترة السوفياتية تم تشييدها أثناء فترة الحرب الباردة لدعم الأسطول السوفياتي بالبحر الأبيض المتوسط
ويتجلى الموقف الروسي في الحالة السورية في كلمات الرئيس الروسي"فلاديمير بوتين"كما جاء في 27 فبراير 2012 عبر صحيفة "موسكو فسكييه نوفوستي" عن سياسة روسيا الخارجية حول ما سمي بـ"الربيع العربي"، المتعاطفة مع ظاهرة الاحتجاجات المتزامنة التي شهدها العديد من الدول العربية قبل عام فيما سمي بالحراك العربي على أمل "إحداث تغيير إيجابي". وانتقد التدخل الخارجي في النزاعات الداخلية للدول العربية مشيراً إلى أن التدخل في ليبيا وتحت ستار الشعارات الإنسانية وباستخدام القوة أدى إلى الإجهاز على النظام الليبي، ومقتل القذافي. وشدد على أن روسيا لن تسمح بتطبيق السيناريو الليبي في سوريا، قائلاً: "نحن ضد اتخاذ قرارات مثل التي اتخذها مجلس الأمن والتي من الممكن تأويلها كإذن بالتدخل العسكري في العملية السورية الداخلية"، مشيراً إلى أن الالتفاف على أخذ موافقة مجلس الأمن للتدخل من شأنه أن يقوض مصداقية ودور الأمم المتحدة قائلاً إن "حق الفيتو ليس مجرد نزوة، بل هو جزء لا يتجزأ من النظام العالمي"، محذراً الدول الغربية من اللجوء إلى التدخل في سوريا بدون موافقة مجلس الأمنو مؤكداً في الحالة السورية على التحلي بالصبر وعقلنة أطراف المواجهة العسكرية لتحقيق المصالحة السورية الداخلية، ووقف العنف من أيِ جهة كانت، وإطلاق الحوار الوطني من دون شروط مسبقة أو تدخل أجنبي.
ففي الحالة السورية أبدت روسيا دعماً سياسيا ودبلوماسياً وعسكرياً واضحاً لنظام الأسد في سوريا ،ورفضت الدعوة الأوربية والأمريكية لتنحي الأسد، وأحبطت المساعي الغربية المتكررة لإصدار قرار من مجلس الأمن الدولي يدين سوريا لاستخدام العنف في قمع المتظاهرين, الشيء الذي أفقد روسيا كثيراً من الشعبية التي كانت تحظى بها فى الشارع السوري نتيجة مواقفها الداعمة للحق العربى والشرعية الدولية خاصة فى القضية الفلسطينية والأزمة العراقية، والأزمة السودانية.
وطرحت روسيا مبادرتها الأخيرة المتعلقة بالكيماوى السورى ففي التاسع من سبتمبر الماضى، وفي ذروة استعداد الرئيس الأميركي لتوجيه ضربة عسكرية عقابا للنظام السوري لاستخدامه الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في مدينة «الغوطة» الشرقية في ريف دمشق في 21 أغسطس الماضي، تقدمت روسيا بمبادرة تسوية سياسية للأزمة قبل ساعات من بدء مناقشة الكونغرس الأميركي التفويض الذي طلبه أوباما لتوجيه ضربة عسكرية لسوريا، والخطوط العامة لهذه الخطة- المبادرة- الاقتراح تنقسم إلى مراحل أربع: انضمام سوريا لمعاهدة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية. الكشف عن مقار إنتاج الأسلحة وتخريبها. فحص ترسانة الأسلحة الكيماوية وتدميرها. وفي 14 سبتمبر الحالي، طالبت كل من روسيا والولايات المتحدة دمشق بتقديم قائمة بأسلحتها الكيماوية في خلال أسبوع.
ولا شك أن «المبادرة» الروسية بوضع الترسانة الكيماوية السورية تحت الرقابة الدولية قد خلطت أوراق الإدارة الأميركية، حيث أدت بالرئيس الأميركي إلى تأجيل «مؤقت» لضربته العسكرية ودعوة الكونغرس إلى إرجاء التصويت على تلك الضربة، لإفساح الطريق من جديد أمام الحلول السياسية للأزمة السورية.
وفي الحقيقة، فإن المبادرة الروسية لنزع السلاح الكيماوي السوري تعتبر محاولة لحفظ «ماء وجه» جميع الأطراف الدولية والإقليمية المنخرطة في الأزمة السورية، وفي مقدمتهم الرئيس الأميركي بارك أوباما، الذي يلعب الكرملين، كما يبدو، على تردده الشديد في القيام بعمل عسكري ضد النظام السوري. ويبدو أيضا أن موسكو راهنت في طرح مبادرتها على أن حصول أوباما على دعم الكونغرس للقيام بالضربة العسكرية ليس سهلا، وهو ما اعترف به جون كيري أثناء مؤتمره الصحافي مع نظيره البريطاني وليم هيغ في لندن في التاسع من سبتمبر الحالي. فهذه المبادرة أعادت الأزمة السورية «جزئيا» إلى طريق الحلول السياسية والدبلوماسية.
وتعتبر هذه الخطوة الأخيرة تجاه روسيا نجاح قوى للسياسة الخارجية الروسية ومدخل مهم لعودتها من جديد للشرق الأوسط من بوابتها القديمة الجديدة سوريا.

محدادت السياسة الخارجية الروسية

واقعياً من المؤكد أن روسيا لا تسعي إلى تحقيق مكاسب سياسية أو ممارسة دور أمني أو عسكري ينافس الوجود الأمريكي المكثف في المنطقة العربية، وإنما تسعى إلى شراكة استراتيجية بالمعنى الاقتصادي والتقني، ذات عائد اقتصادي مباشر لروسيا، وعائد تنموي حقيقي لدول المنطقة.
وفي هذا الإطار، ترتبط المصالح الروسية بثلاثة قطاعات رئيسية، هي: الطاقة (النفط والغاز)، والتعاون التقني في المجالات الصناعية والتنموية، والتعاون العسكري و يحتل التعاون والتنسيق في مجال الطاقة قمة أولويات السياسة الروسية في المنطقة العربية، وحوله تتمحور الدبلوماسية الروسية والتقارب الروسي مع الدول العربية، لاسيما دول الخليج العربي، ويلي ذلك أوجه التعاون الأخري، سواء في المجال التقني أو الاقتصادي أو الاستراتيجي العسكري. فقطاع الطاقة يمثل أحد المجالات الأساسية التي تتلاقي فيها المصالح العربية والروسية، وهو جوهر الشراكة العربية- الروسية في المستقبل والدعامة الأساسية لها , فروسيا تمتلك التكنولوجيا والخبرة اللازمة في مجال الكشف والتنقيب عن البترول واستخراجه، وكذلك في مجال الصناعات البتروكيماوية، حيث تعد روسيا من أكبر منتجي البتروكيماويات في العالم من خلال 15 شركة كبري بفروعها المنتشرة في مختلف أنحاء العالم. وتعد الشركات الروسية، خاصة "لوك أويل" و"غاز بروم"، من كبرى الشركات العالمية العاملة في مجال الطاقة. وهناك العديد من المشروعات التي بدأت بالفعل بين روسيا وعدد من الدول العربية، والتي تعد نواة لتطوير التعاون في هذا المجال، وفي مقدمتها السعودية، ومصر، والجزائر، والسودان، وسوريا، وليبيا .
وعموما هناك محددات تربط العلاقات الروسية العربية، والعوامل المختلفة التي تحكم تطورها المستقبلي في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والتي يمكن إيجازها فى ستة عوامل أساسية وهي:

* استعادة روسيا لمكانتها كأحد القوى الكبرى الفاعلة
* الشراكة الاقتصادية والتقنية
* الدعم السياسي الروسي للقضايا العربية
* آفاق التعاون فى المجال العسكري
* الخبرة التاريخية الإيجابية للتعاون العربي الروسي
* التقارب الدينى والثقافي والحضاري بين روسيا والعالم العربي.

الفرص المتاحة امام روسيا

من المؤكد أن منطقة الشرق الأوسط حالياً تشهد تغيرات جديدة وهذه التغيرات تصب لخدمة لاعبين جدد، وفى القلب من هؤلاء الاعبين روسيا وهناك عدة عوامل محفزة للعودة منها:

أولاً: هناك فراغ سياسي دولي نجم عن تراجع الدور الأمريكي في المنطقة لسببين رئيسيين
أحدهما يعود إلى التحول في أولويات الولايات المتحدة الخارجية من حيث أوجه الخطر، حيث تتجه إلى التركيز على شرق آسيا تحسبا لانفجار الصراع المكتوم بينها وبين الصين، وروسيا ذاتها، اقتصاديا وعسكريا ومعهما كوريا الشمالية.
\ثانيهما يتعلق بالوضع في الشرق الأوسط من جهة الفشل الذي منيت به السياسة الأمريكية في حل قضية السلام بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية بسبب عدم قدرتها على فرض متطلبات السلام على الحكومات الإسرائيلية الأخيرة، ومن جهة الافتقاد للثقة في السياسة الأمريكية من جانب غالبية النظم العربية بعد أن تكشف لها أن الولايات المتحدة كانت وراء موجات التغيير الأخيرة في دول الربيع العربى والتي لم تؤت ثمارها بل هددت دولا أخرى بتكرار الاضطراب والانقسام نفسه، وبالمجمل تأكد للجميع أن واشنطن تتدخل في الشؤون العربية الداخلية على عكس ما تعلن بأنها بعيدة عن ذلك. ونتيجة لتآكل الدور الأمريكي تدريجيا حدث فراغ سياسي دولي وجدت فيه روسيا الفرصة لاستعادة دور الاتحاد السوفييتى السابق.

ثانياً: استمرار تماسك نظام الرئيس السوري بشار الأسد، بدعم روسي وإيراني، وتردد واشنطن في تبني أي سياسة تؤدي إلى تدخل عسكري لإسقاطه، وهو ما كشف عنه عدم تمسك أوباما بـ"الخط الأحمر" الخاص باستخدام الأسلحة الكيماوية، وقبوله المقترح الروسي الخاص بتفكيك ترسانة سوريا من هذه الأسلحة، فتعد روسيا ضامن دولى هام لتسوية الصراع في سوريا، ، خاصة أن موسكو نجحت في الحصول على تنازلات من واشنطن حول كيفية تسوية الصراع في سوريا.

ثالثاً: تزايد ضغوط الوضع الاقتصادي في روسيا، خاصة مع استمرار انخفاض معدل نمو الاقتصاد الروسي مقارنة بالمعدل العالمي، وهو ما دفعها إلي التقارب مع الدول التي تستطيع أن تنعش اقتصادها، الذي يقوم على مرتكزين هما تجارة السلاح والطاقة، وتعد دول الخليج هي "المنقذ" لها، خاصة في ظل سعي هذه الدول إلي تنويع مصادر السلاح بعيدًا عن الولايات المتحدة، ولضمان مستوي مستقر لأسعار النفط، وذلك من خلال التحكم في حجم الإنتاج، وهو ما يتفق والتوجه الروسي، حيث تسعى روسيا إلى شراكة استراتيجية بالمعنى الاقتصادي والتقني، تستند بالأساس إلى الطاقة والتعاون العسكري.
كما أن هناك اعتبارا يتعلق بمصر تحديدا كان له أقوى الأثر، وهو حاجة السلطة الانقلابية الجديدة – التى تلت حكم الرئيس مرسي – إلى السلاح وإعلان واشنطن تجميد صفقات سلاح للجيش المصري تطبيقا لما لديها من قوانين تفرض عدم تقديم الدعم العسكرى لحكومات تنشأ بالانقلاب. وحيث شخصت واشنطن ما جرى بعد 30/6 على أنه انقلاب دون أن تذكر ذلك صراحة، جمدت جانبا مهما من التعاون العسكري مع الحكم الجديد في سابقة هي الأولى من نوعها منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد عام 1979، وعلى الفور سارع الحكم الجديد بطرق أبواب روسيا للحصول على بديل للسلاح الأمريكي المتجمد، وقد أفادت تقارير صحفية بأن مصر تنوي إبرام صفقة مع روسيا بقيمة 10 مليار دولار تشمل طائرات ميج 29 ومعدات عسكرية أخرى.
ووفقا لقراءة القادة الجدد في مصر فإن حاجة مصر إلى السلاح ستتزايد في السنوات المقبلة ولن تتناقص لسبب آخر استجد في ظل التغيير الذي يمر به النظام السياسي المصري، وهو التوجه لتنفيذ مشروع تطوير قناة السويس، الذي يجعل من منطقة القناة برمتها منطقة اقتصادية عالمية، وفى هذه الحالة تحتاج هذه المنطقة إلى تأمين عسكري كبير لا تتوافر إمكاناته الآن، ومن ثم يتعين الإسراع بتوفير هذه الإمكانات وتنويع مصادر الحصول عليها حتى لا تتأثر بأي خلافات طارئة.
ومن جهة روسيا فإنها لا تريد تفويت مثل هذه الفرصة ليس فقط لتحقيق مكاسب اقتصادية وإنما للحصول على نفوذ استراتيجي في منطقة بأهمية قناة السويس. مثل هذا التحرك المشترك من جانب القاهرة وموسكو يعيد رسم الخريطة الدولية للشرق الأوسط، ومن هنا جاء أيضا قلق إسرائيل من الانفتاح العسكري المصري على روسيا. وإذا أضفنا لذلك الحالة السورية حيث المصالح العسكرية الروسية هناك، وكذلك تكثيف الوجود العسكري البحري الروسي في البحر المتوسط، تصبح المنطقة مفتوحة أمام الدب الروسي للمشاركة بقوة في توجيه تطوراتها السياسية.
هذا بالإضافة إلى ارتباك العلاقات الأمريكية - السعودية الناتجة عن الموقف الأمريكى من ضرب سوريا وكذلك التقارب الأمريكى - الإيرانى.

معوقات تواجه العودة الروسية

بالرغم من عدم الثبات في السياسة الروسية من حيث درجة تركيزها أو حدتها إلا أنها اتسمت بطابع مشترك وهو المحافظة على حد أدنى من العلاقات مع جميع الأطراف. و السياسات الروسية الأخيرة لا تخرج عن محاولة روسيا البقاء على الساحة الدولية، بما يضمن عودتها مستقبلا إلى ما كانت عليه.
وبالرغم من أن ساحة المنطقة العربية بعد الانقلاب العسكرى بمصر صارت مفتوحة لبناء تحالفات إقليمية جديدة وخاصة فى ظل قرار التموضع واعادة رسم السياسة الأمريكية بالمنطقة وعدم وضع المنطقة على رأس أولوياتها كما كانت بالماضى ، إلا أنه بالرغم من هذه المتغيرات فالساحة ليست مفتوحة تماماً أمام الدب الروسى للعودة وإنما توجد معوقات عديدة أغلبها ترجع لطبيعة الظروف الروسية بالأساس.
كما توجد خلفية ذهنية لدى الساسة العرب أن روسيا لاتستطيع حماية حلفاءها فى مواجهة الإدارة الأمريكية كما حدث سابقاً (مصر 1967، العراق 2003، ليبيا 2011).
ورغم محاولة روسيا النهوض الا انها تصدم بعوائق تحول دون قيامها بادوار مهمة في العلاقات الدولية منها :
1- الإنفاق العسكري لا يزال محدودا حوالي 1/9 الإنفاق الأمريكي
2- اعتماد الاقتصاد الروسي على عوائد تصدير المعادن و النفط و الغاز وليس تصدير السلع و الخدمات حيت ل يشكل الاقتصاد الروسي سوى 1.50 %من الناتج الاجمالي العالمي مقارنة مع 25 %بالنسبة للاقتصاد الامريكي
3- تعاني روسيا ثلات مشاكل من الناحية السكانية وهي انخفاض عدد السكان من 150 ميليون نسمة سنة 1991 الى 144 مليون نسة عام 2002 و يتوقع ان يصل الى 126 مليون عام 2025 و اننخفاض في اعداد السكان الشباب اذ يتوقع ان تبلغ الفئة العمرية (15/25سنة) حوالي 10%من سكان روسيا عام 2025 و الفئة العمرية (25/40 سنة ) حوالي 13.8%عام 2025 , و الاهم هو توقع حدوث تغيير في نسب التكوينات القويمة و الدينية داخل روسيا اذ يتوقع ان يرتفع عدد المسلمين من 30-35 %من اجمالي سكان روسيا عام 2007 الى نحو 45%عام 2030.
3. المتغير الديني:

يعتبر العامل الثقافى والدينى مدخل هام للتأثير فى منطقة الشرق الأوسط وبالرغم من أن عدد سكان روسيا 145 مليون نسمة يمثل المسلمون منه نسبة 16 الى 17 % اي مابين 23 اللى 25 مليون نسمة الشيء الذي اكسبها مقعد دائم بصفة مراقب في منظمة المؤتمر الاسلامي في الاجتماع 32 لوزراء خارجية المنظمة في صنعاء جوان 2005.
إلا أن المواقف الروسية تجاه بعض القضايا المرتبطة بالمسلمين وتعاملهم الأمنى مع مسلمى روسيا أوجد حالة من الرفض لدى قطاع عريض من شعوب المنطقة تجاه قبول التواجد الروسى بالمنطقة ومن هذه المواقف
• الحرب الشيشان الأولى 1992-1994 و الثانية 1999-2003 من خلال اتهامات روسيا لدول شبه الجزيرة العربية بتمويل حركة التمرد في الشيشان سواء بالمال او الرجال , و قد تراجع هذا الدعم العربي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 بعد التهم الموجهة لهذه الدول بتمويل الإرهاب الدولي.
• الحرب في البوسنة الهرسك في 1992 الى 1995 ثم اشكالية استقلال البان كوسوفو 1999 و الضربة الاطلسية لصربيا الحليف التقليدي لروسيا و المحاور التقليدية في البلقان
• الموقف الروسى من حرب الابادة على سكان غزة المحاصرين في ديسمبر /جانفي 2009 و رغم تطلع العالم العربي الى موقف يخفف من حجم الكارثة الا ان موقف روسيا لم يكتفي باغماض العين فقط بل بالتصريح بانها تشعر بالقلق تجاه الصور المفزعة التي تشاهدها في غزة ولكنها تتفهم في نفس الوقت حق اسرائيل في الدفاع عن النفس .

مستقبل العلاقات الروسية العربية في ظل التحولات الدولية الراهنة

من المرجح أن يشكل موقف ودور روسيا في الأزمة السورية «بوابة الدخول الثانية» وتعاظم نفوذها في منطقة الشرق الأوسط، فالعالم يشهد اليوم هبوطا متدرجا لدور الإمبراطورية الأميركية فى منطقة الشرق الأوسط، مقابل تصاعد ملحوظ لدور روسيا والصين. إن روسيا، بغضّ النظر عن نظام الحكم فيها، لا يمكنها أن تكون منعزلةً أو محصورة فقط في حدودها.
وهناك مصلحة لكل دول العالم في تصحيح الخلل في ميزان العلاقات الدولية، والعودة إلى مرجعية دولية متوازنة في التعامل مع الأزمات القائمة الآن، ووقف التفرد الأميركي الذي حصل في ظل الإدارة الأميركية السابقة والحروب التي خاضتها بلا مرجعية «مجلس الأمن الدولي». وإذا أحسن الروس والصينيون توظيف هذه المرحلة، فإن ذلك قد ينعكس إيجابا على كل الأزمات الدولية، وفي مقدمتها أزمات منطقة «الشرق الأوسط»، التي تشمل ملفات مترابطة بتداعياتها وأطرافها؛ من الملف الإيراني إلى الأحداث في سوريا وإلى الصراع العربي/ الإسرائيلي. لكن سيكون من الحماقة تكرار الأخطاء العربية التي حصلت على مدى أكثر من قرنٍ من الزمن، بالمراهنة دائما على التناقضات الدولية والتعويل على طرف خارجي (إقليمي أو دولي) في تحقيق المصالح العربية، بأبعادها الوطنية والقومية. فالمصالح الوطنية والقومية العربية، تتطلب أولا الاعتماد على الذات العربية وتحسين واقع الحال العربي، قُطريا وقوميا.
إن الحديث عن دور روسي في منطقة الشرق الأوسط، يستدعي دومًا مناقشة علاقة هذا الدور بالنفوذ الامريكي في المنطقة، الذي رغم محدوديته التي تكشفت مؤخرًا، إلا أنه لا يمكن تجاهله، فأي دور يمكن أن تلعبه روسيا في المنطقة، سيكون مرتبطًا بتوافق ما مع الولايات المتحدة، حوله، ومن المتوقع أن تكون هناك أدوار روسية، ترتبط بالقضايا الأكثر استعصاءًا على الحل في المنطقة، والتي عجزت واشنطن عن إدارتها بصورة منفردة طوال الفترة الماضية، في إطار من "التفاهم المرن" بين الدولتين. وتتمثل هذه الأدوار - كما ذكرنا سابقاً - فى ثلاثة ملفات رئيسية هى، (الأزمة السورية -الانقلاب فى مصر- العلاقة الامريكية- الايرانية).
فلا يمكن تصور تراجع النفوذ الأمريكي في المنطقة لحساب نفوذ روسيا؛ الولايات المتحدة ستبدي قدراً أقل من الاهتمام، مقارنة بما سبق، لكنها ستظل حاضرة في المنطقة. إن الدرس السوري ما زال ماثلاً أمام الجميع: ثمة مصالح عليا للأطراف الدولية ستبقى مقدمة على أي رغبات سياسية لدول إقليمية (السعودية مثلاً). أي أن فرص التفاهم الأمريكي الروسي حول الملفات الأكثر الأهمية أكبر من فرص بناء تحالف سعودي روسي أو مصري روسي؛ ربما تتطور العلاقات التجارية والعسكرية، لكنها ستبقى مجرد خيارات وبدائل محدودة. الاتحاد الأوربي بدوره – صاحب الميزان التجاري الأكبر في المنطقة – لديه مصالح اقتصادية وأمنية سيظل متمسك بها، وهي بالتأكيد أكثر ارتباطاً بالموقف الأمريكي مقارنة بروسيا.